الآلوسي
2
تفسير الآلوسي
بسم الله الرحمن الرحيم * ( لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً ) * . * ( لاَّ يُحبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بالسُّوء منَ الْقَوْل ) * عدم محبته سبحانه لشيء كناية عن غضبه ، والباء متعلقة بالجهر ، وموضع الجار والمجرور نصب أو رفع ، و * ( من ) * متعلقة بمحذوف وقع حالاً من السوء ، والجهر بالشيء الإعلان به والإظهار كما يفهم من " القاموس " ، وفي " الصحاح " جهر بالقول رفع صوته به ، ولعل المراد هنا الإظهار وإن لم يكن برفع صوت أي لا يحب الله سبحانه أن يعلن أحد بالسوء كائناً من القول * ( إلاَّ مَن ظُلمَ ) * أي إلا جهر من ظلم فإنه غير مسخوط عنده تعالى ، وذلك بأن يدعو على ظالمه أو يتظلم منه ويذكره بما فيه من السوء ؛ وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة : هو أن يدعو على من ظلمه ، وعن مجاهد أن المراد لا يحب الله سبحانه أن يذم أحد أحداً أو يشكوه إلا من ظلم فيجوز له أن يشكو ظالمه ويظهر أمره ويذكره بسوء ما قد صنعه ، وعن الحسن . والسدي - وهو المروي عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه - المراد : لا يحب الله تعالى الشتم في الانتصار إلا من ظلم فلا بأس له أن ينتصر ممن ظلمه بما يجوز الانتصار به في الدين ، وجوز الحسن للرجل إذا قيل له : يا زاني أن يقابل القائل له بمثل ذلك ، وأخرج ابن جرير عن مجاهد أن رجلاً ضاف قوماً فلم يطعموه فاشتكاهم فعوتب عليه فنزلت ، وأنت تعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأبيّ وابن جبير والضحاك وعطاء أنهم قرأوا * ( إلا من ظلم ) * على البناء للفاعل ، فالاستثناء منقطع ، والمعنى لكن الظالم يحبه أو لكنه يفعل ما لا يحبه الله تعالى فيجهر بالسوء ، والموصول في محل نصب ، وجوز الزمخشري أن يكون مرفوعاً بالإبدال من فاعل يحب كأنه قيل : لا يحب الجهر بالسوء إلا الظالم على لغة من يقول : ما جاءني زيد إلا عمرو بمعنى ما جاءني إلا عمرو ، ومنه * ( لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ) * ( النمل : 65 ) وهي لغة تميمية ، وعليها قول الشاعر : عشية ما تغنى الرماح مكانها * ولا النبل ( إلا ) المشرفي المصمم وقد نقل هذه اللغة سيبويه وأنكرها البعض ، وكفى بنقل شيخ الصناعة سنداً للمثبت ، ونقل عن أبي حيان أنه ليس البيت كالمثال لأنه قد يتخيل فيه عموم على معنى السلاح ، وأما زيد فلا يتوهم فيه عموم ولا يمكن تصحيحه إلا على أن أصله ما جاءني زيد ولا غيره ، فحذف المعطوف لدلالة الاستثناء وكذا الآية التي ذكرت ، ورد - كما قال الشهاب - بأنه لو كان التقدير ما ذكره في المثال لكان الاستثناء متصلاً والمفروض خلافه ، وأن المراد - كما يفهمه كلام الطيبي - جعل المبدل منه بمنزلة غير المذكور حتى كأن الاستثناء مفرغ والنفي عام إلا أنه صرح بنفي بعض أفراد العام لزيادة اهتمام بالنفي عنه ، أو لكونه مظنة توهم الإثبات ، فيقولون : ما جاءني زيد إلا عمرو ، والمعنى ما جاءني إلا عمرو فكذا ههنا المعنى - لا يحب الجهر بالسوء إلا الظالم - فأدخل لفظ * ( الله ) * تأكيداً لنفي